محمد سعيد رمضان البوطي

241

فقه السيرة ( البوطي )

وأما ما يبدو خلال ذلك من محبته الشديدة لأصحابه والشفقة عليهم ، فإنك لتجده واضحا في موقفه صلى اللّه عليه وسلم من دعوة جابر له إلى طعامه القليل ، ذاك الذي صنعه له . لقد كان الذي دفع جابرا إلى دعوته صلى اللّه عليه وسلم ، ما اكتشفه من شدة جوعه عليه الصلاة والسلام حينما رأى الحجر المربوط على بطنه الشريف ، ولم يكن في بيته من الطعام إلّا ما يكفي لبضعة أشخاص ، فاضطر إلى أن يجعل الدعوة على قدر ما عنده من الطعام . ولكن كيف يتصور أن يترك النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه في غمرة العمل وهم يتضورون مثله جوعا ، لينفرد عنهم مع ثلاثة أو أربعة من أصحابه يستريحون ويأكلون ، وإنه لأشفق على أصحابه من شفقة الأم على أولادها ؟ ! . أما جابر فقد كان مضطر إلى ما فعل ، وكان ذلك منه طبيعيا ، إذ إنه - كأي مفكر من الناس - لم يكن يملك إلا أن يتصرف حسب ما لديه من الأسباب المادية ، والطعام الذي لديه ، لا يكفي فيما يجمع عليه عرف البشر إلا لهذا العدد اليسير ، فليختصّ به إذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن يشاء من بعض أصحابه في حدود ضيقة . ولكنه عليه الصلاة والسلام ، لم يكن من شأنه أن يتأثر بنظرة جابر هذه ، فهو أولا لا يمكن أن يتميّز على أصحابه بشيء من النعمة أو الراحة ، وهو ثانيا لا يمكن أن يأسر نفسه تحت سلطان الأسباب المادية وحدودها التي ألفها البشر ، فاللّه وحده مسبب الأسباب وخالقها ، ومن اليسير عليه سبحانه أن يجعل من الطعام اليسير كثيرا ، وأن يبارك في القليل منه حتى يكفي القوم كلهم . ومهما يكن ، فقد رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه وأصحابه متضامنون متكافلون يتقاسمون النعمة بينهم مهما قلت كما يتقاسمون بينهم المحنة مهما عظمت وكثرت ! . . فمن أجل ذلك أرسل جابرا إلى داره ليهيىء لهم الطعام ، وانفتل هو إلى عامة القوم يناديهم أن يقبلوا جميعا إلى صنيعة كبرى لهم في دار جابر . وأما المعجزة الخارقة في هذه القصة ، فهي ما رأيت من انقلاب شاة جابر الصغيرة إلى طعام وفير كثير ، شبع منه مئات الصحابة وبقيت منه بقية كثيرة تركوها بعد أن اقترح النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على أهل البيت أن يتصدقوا بها ! . . لقد كانت هذه الخارقة العجيبة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تقديرا إلهيا لمدى محبته صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه وإعراضه عن الأسباب المادية وشأنها في جنب قدرة اللّه وسلطانه . والذي أريده من القارئ ، أن ينتبه بفكره إلى مثل المؤيدات الإلهية التي كان يؤيّد